EN AR

من نافذتي في رام الله

CultureRights & dissent This article is part of the series Poetry

كانت الشابة الفلسطينية تالا أبو رحمة جالسة القرفصاء في زاوية ملجأ صغير في أثناء العملية الإسرائيلية الأسوأ التي شهدتها رام الله. وفي تلك الزاوية بالذات، بدأت تالا كتابة الشعر للمرة الأولى. وبينما كانت عالقة في الداخل، شرعت تالا بالكتابة عن حياتها لتتمكنولو حتى في خيالهامن الهروب من تلك الغرفة. أما اليوم، وبعد مرور سنوات عديدة، فقد بدأت تدرك مدى المعاني التي يحملها الشعر في طياته وتقول أنها لا تعرف ما كانت لتفعل من دونه.

العودة
إلى بلد البرتقال

ولدت تالا وترعرعت في عمان، ثم انتقلت مع أمها وأخيها إلى فلسطين قبل سنوات قليلة من اندلاع الانتفاضة الثانية. وبعد أن أنهت دراستها الجامعية في جامعة برزيت توجهت تالا إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث حازت على ماجستير الفنون الجميلة في الكتابة الإبداعية كما وعملت لدى لجنة الفنون والعلوم الإنسانية في العاصمة واشنطن.

فازت تالا بجائزة ”إلياف – سرطاوي“ للصحافة في الشرق الأوسط، وبجائزة أفضل كتاب في مسابقة ”تعابير نكبة“ في عام 2008، وورد اسمها من بين المقتطفات الأدبية ال25 لمن هم دون سن ال25 والتي تم تنقيحها من قبل ناعومي شهاب نيي. عادت تالا مؤخراً إلى رام الله، وهي تقول: ”لا أعرف بالتحديد إلى أي مكانٍ أنتمي، فتارةً أرغب في التواجد في ميدان التحرير وطوراً أرغب في العيش في تينيسي وإنجاب الأطفال!“.

بداية الكتابة

منذ أن بدأت الكتابة، ارتبطت قصائد تالا بأوجه الحياة الواقعية والبقاء. تقول تالا: ”لم أعتقد يوماً أن الكتابة قد تنقذ حياتي، ولكن الشعر قد أنقذ حياتي بالفعل.“ وتتابع قائلةً: ”بدأت التفكير بالموضوع عندما كنت في السادسة عشر من عمري، وكنت أنام بجوار أمي في غرفةٍ صغيرةٍ/ملجأ في خلال أسوأ عملية إسرائيلية في رام الله. وأذكر بوضوح أن كتابة الشعر كانت شبيهة بذاك الملجأ: صغيرة، ومباشرة، وسريعة. كنت بحاجة إلى كتابة الشعر لأنني لم أكن واثقة كم من الوقت قد تبقى لي.“

وتتابع تالا وتقول: ”كان لدي دفتر صغير أعطتنيه صديقتي، كان بني اللون وطُبعت عليه صورة لنافذةٍ، وكانت النوافذ آنذاك تشكل الخطر الأكبر في المنازل. جلست القرفصاء في تلك الغرفة وكتبت الشعر وعمّا كان يحدث في الخارج؛ ساحة المدينة، سوق الخضار، المدرسة، وبيت جدتي؛ كتبت عن كل ما كان يأخذني إلى الخارج ولو حتى لثوانٍ قصيرة. استغرقني الأمر سنوات عديدة والكثير الكثير من القراءة لأدرك مدى المعاني التي يحملها الشعر في طياته. وأتذكر أنني قرأت للانغستون هيوغز ولناعومي شهاب نيي وكنت أتمعن بالتفاصيل. إن القصائد هي من أروع اللوحات وأجملها. ولا أعرف ما كنت لأفعل من دونها.“

أين
أنتمي؟

تحاكي قصائد تالا الحياة الواقعية في ظل الاحتلال، إذ أنها شابة فلسطينية عاشت في رام الله في خلال الانتفاضة الثانية. ولكنّ قصائدها تتطرق إلى مسائل اجتماعية أخرى مثل، قصيدة ”رسالة انتحار“ التي تتحدث عن حالات الانتحار في مجتمعات الأميركيين الأصليين. وتقول تالا في هذا الخصوص: ”مهما قرأت عن هذا الموضوع في الولايات الأميركية المتحدة لن تدرك مدى أهميته، فالعيش هناك هو تجربة مختلفة تماماً. أذكر إنني كنت في صف الأدب الذي تناول موضوع الكاتبات الأفريقيات-الأميركيات، وكنت أقول لنفسي ’يا إلهي! إن حالتنا مثل حالة تلك النسوة!‘ وما صدمني أكثر من ذلك هي حالة المشردين في العاصمة؛ فأنا كنت أسكن بالقرب من العاصمة حيث كان معظم الإفريقيين الأمريكيين يعيشون. وقد أدركت بألمٍ كبيرٍ أنني، كوني أجنبية، كنت أحظى بامتيازات أكثر من هؤلاء الناس الذين كانوا في بلدهم. والأمر شبيهٌ بحالتي في بلدي الأم.“

وتتابع تالا: ”أعتقد أن الأماكن العديدة التي عشت فيها جعلتني أدرك مدى المرونة التي تتسم بها هويتي. فأنا لا أشعر بأنني فلسطينية بشكلٍ خاص أو عربية أو أميركية، بل أنا مزيج من تلك الجنسيات كلها، وقصائدي ستطال دائماً الجميع.“

الكتابة
في فلسطين، الكتابة عن فلسطين

عادت تالا اليوم إلى رام الله، حيث تدرس في جامعة بارد/القدس ، كما وتعمل حالياً على إصدار كتاب الشعر الأول لها. وتقول تالا: ”يصعب عليّ الكتابة بالقدر الذي أريده في فلسطين، وهذا الأمر يغضبني جداً. إن فلسطين خانقة: فالجو دافئ في الداخل والخارج. وإني أطرح على نفسي دائماً قرار العودة، ولكن طلابي الرائعين يدفعونني للبقاء إلى جانبهم لفترة أطول.“

إن الكتابة الفلسطينية لها شأن كبير مع العديد من الأسماء التي كان لها تأثير كبير في الماضي مثل غسان كنفاني ومحمود درويش . فكل الكتّاب والكاتبات من فلسطين قد تأثروا بهذا التقليد. تالا: ”ولكن الكتابة الفلسطينية لم تعد محصورة في هذه الخانة، فمعظم الكتاب الأكثر تأثيراً اليوم يكتبون بلغاتٍ مختلفةٍ، مما يدفعني للتفكير بالحدود العقلية التي قد تفرضها اللغة وخاصة عند استخدامها لكتابة اتفاقيات السلام الفاسدة ودعم الدعايات. أما أنا فلا أعرف أين موقعي في هذه المسألة، وأتجنب طرح هذا السؤال لأنني أكتب أساساً باللغة الإنكليزية. ولكن أتمنى أن يهتم الفلسطينيون، في يومٍ من الأيام، بكتاباتي.“

الشعر الفلسطيني اليوم

تتابع تالا قولها: ”إن الشعر الفلسطيني اليوم، يستيقظ من ثباتٍ عميقٍ.“ وهذه هي حال الكتّاب في فلسطين وفي الشتات في جميع أنحاء العالم (الذي يبلغ عدده 7.5 مليون فلسطيني يعيشون خارج بلدهم اليوم). ”وأقرأ دوماً لشعراء رائعين الذين يقومون بخطوات كبيرة نحو تمثيلٍ من نوعٍ مختلفٍ.“ وتضيف تالا: ”أعتقد أنه علينا قراءة الكثير مما كُتب لمعرفة كيفية التعامل معه، وكيفية تغيير طرق التفكير الحالية التقليدية والقديمة والبائتة. وفي فلسطين اليوم، لا تبشر الأوضاع بالخير، فقد انعدمت الثقة، ولكن ما يحصل في العالم العربي قد يزيد من فسحة الأمل. إني مؤمنة بالشعر، وبالتالي إني مؤمنة بالناس وبقدرتهم على القيام بالأمور الجميلة.“

(Visited 467 times, 1 visits today)