EN AR

أحلام الحطام

جوليانو مير خميس

ولد جوليانو خميس (المعروف بوقتٍ لاحق بمير- خميس) في الناصرة في سنة 1958. والدته آرنا مير، وهي شيوعية يهودية، ووالده صليبا خميس، وهو مفكر عربي- إسرائيلي وأحد القادة في الحزب الشيوع الإسرائيلي في الخمسينات. وكان جوليانو مخرجاً بارزاً، وممثلاً وناشطاً، كما وأسس مسرح الحرية في جنين. قتل رمياً بالرصاص بتاريخ 4 أبريل 2011 على يد مسلح ملثم في مخيم جنين للاجئين.

غالباً ما أحاول تصور كيف هي الحياة في مخيم جنين للاجئين، بين حطام البيوت المؤقتة، والطرقات المدمرة، وبين الماعز، وفي الأزقة التي تزخر جدرانها بملصقات للشهداء منها القديمة ومنها الجديدة… يا للعجب… فالمخيم كله ليس سوى زقاق بحد ذاته.

لم يكن المخيم يعني لي الكثير قبل وقوع المجزرة الشائنة في ربيع عام 2002.  وكنت لا أزال وقتذاك في المدرسة الثانوية، وأعيش في ظل حظر التجول في رام الله، ولم أكن واثقاً ما إذا كانت هذه الحالة ستنتهي أم ستستمر إلى الأبد. ولم نكن ندرك مدى خطورة الوضع إلا عندما انسلّ الصحفيون إلى المخيم وشاهدوا الجثث المدفونة في مقابر جماعية.

وكنت في أحد تلك الأيام في جامعة بيرزيت، حين احتلّ المخيم جزءاً من ذهني للمرة الثاني، وذلك حين عرض جوليانو مير خميس فيلمه المعنون “أولاد آرنا” في القاعة الرئيسية لجامعتنا. وكان مير خميس قاسياً وصارماً، فقد رمق طالبين بغيضين كانا جالسين في الوراء، بنظرة “مميتة” لعدم احترامهما لما كان يُعرض على الشاشة. ولم يفعل ذلك لأن الفيلم كان فيلمه، بل لأنه تعجب من عدم قدرة البعض على تقدير “مجد” أطفال جنين.

ولقد قام جوليانو مير خميس، إلى جانب عدد من الأشخاص، بإنشاء مسرح الحرية في جنين. ووفر هذا المسرح لأطفال جنين، وعلى مدى الخمس السنوات الماضية، مكاناً ليكونوا أنفسهم، أيا كانت شخصياتهم. علاوة على ذلك، فإن مسرح الحرية هو المكان الوحيد في شمال الضفة الغربية حيث يمكن للمرء احتراف التمثيل.

هل يمكنك  تصور ما هو الشعور بأن تكون جوليانو؟ والنشوء في أسرة يتصارع فيها قطباها من اللحظة التي تفتح فيها عينيك إلى لحظة استسلامك للنوم؟ ابنٌ لأم إسرائيلية وأب فلسطيني، كان جوليانو جسداً واحداً اكتظت فيه ملايين الخلايا الأجنبية.

عندما وصلني خير موته، فكرت بغسان كنفاني، وكيف كنت أتخيل انفجار سيارته عندما كنت صغيراً… يُصفق باب السيارة، ويوضع المفتاح في الإشعال وإذ بالانفجار يدوي في السماء!. وشعرت بالفراغ، لأنني كلما ما فكرت بجوليانو لا تبادر إلى ذهني سوى صورة الطرقات القذرة. وظللت أغلق عينيّ على أمل رؤية العشب الأخضر، ولكن بقي الحطام يراود عقلي.

وقد يتساءل المرء كيف ينتهي به المطاف هنا، ولكن هذا هو المسار الخطير الذي لا يجب أن نسلكه. فعندما يقوم الأفراد الإسرائيليون بقتل الفلسطينيين، لا يشعر الشعب الإسرائيلي بأي ذنب. ولكن في حال قام الفلسطينيون بذلك، فنبدأ بالمطالبة بالإدانة ونشعر بالعار من أنفسنا.

وأياً كان من قتل مير خميس، فهذا الشخص لم يقم بذلك باسمي، ولا أشعر بأي ذنب، إنما بحزن عميق. ولعل هذا هو الشعور الذي يتجاهله المرء لتبرئة نفسه، وينتهي به المطاف بأفكار عن الحطام والطرقات القذرة.

إنني أندبك، يا جوليانو، ليس كرمزٍ إنما كفردٍ، وليس كضحية إنما كأب ومرشد وابن. وإنني أندبك ليس بدافع الذنب إنما بدافع محبة مطلقة.

ترجمة: سحر جورج غصوب

(Visited 104 times, 1 visits today)

Leave a Reply