EN AR

الجنة المضادة

Rights & dissent

…ومن المصانع يغادر العمال السماويون
حاملين تحت أذرعتهم أجنحتهم الشبيهة بالكمان.

زبيغنيو هربرت، ”تقرير من الجنة“

وبعد سفك الدماء خُلقت الجنة. جنةٌ لم تكتمل؛ دامت أقل من ثلاثة أسابيع داخل المنطقة المطوقة والأكثر ازدحاماً في القاهرة. وخلقت الجنة تلقائياً وعلى غير يقين، كحلمٍ أو كورقة شفافة من الزجاج شديدة الهشاشة. في ٢٨ من يناير، وبينما كان الملايين من الناس يتعافون من الغاز المسيل للدموع، كنت على ثقة من أن الله قد ظهر في القاهرة. ولكن كان لا بد له أن يغادرها مرة أخرى في غضون شهر واحد.

لقد مضت ستة أسابيع منذ عودتي من فرنسا. وصادف أنني كنت سأقيم هناك لمدة شهر بعد ”نهاية“ الثورة المصرية بتاريخ ١١ فبراير. غادرت في ٨ مارس وكنت لا أزال مشحوناً. وبتاريخ ٩ أبريل عدت إلى القاهرةٍ، فوجدتها واثقة وهادئة مثل القاهرة التي عهدتها قبل ”بدء“ الثورة بتاريخ ٢٥ يناير. ولا أزال أؤمن بشدة بأحداث تلك الأسابيع الثلاثة (٢٥ يناير-١١ فبراير)؛ وكنت أود لو استمرت الأحداث حتى النهاية. أما الآن وقد انتهى كل شيء يقول لي عقلي أنه من الخطأ اعتبار أمور محددة زمنياً وذات وقعٍ اجتماعي محدود على أنها ثورة شعبية. لذلك قمت بوضع كلمتي ”بدء“ و”انتهاء“ بين علاماتي اقتباس. فلا بد من وقوع أمر ما.

وكنت أسائل نفسي منذ عام ٢٠٠٥ عن مدى فساد وعدم كفاءة النظام المتخلل في المجتمع، على الرغم من التطبيقات السياسة الاسمية التي تم إدخالها تحت ضغطٍ من الغرب.

وقد انتهى بي المطاف هذا الربيع بتفويت ما اعتبره العديد أنه اللحظة الحاسمة في أعقاب الثورة (كنت أنا المهزوم فيها): الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي اقترحها المجلس العسكري الأعلى، الذي تسلم زمام الأمور بعد تنحي مبارك، والمدعوم من قوى الإسلام السياسي فضلاً عن كافة المحافظين الآخرين. إن الذين شاركوا في الثورة والذين اعتبروها فرصة للتغيير الفعلي الحقيقي كانوا يعارضون تلك التعديلات الدستورية. إذ أنه من خلال تسريع الانتخابات البرلمانية ومنح الرئيس سلطات عديدة، فإن الدستور المعدل يعمل من أجل الحفاظ على الاحتكار الثنائي للسياسات غير الأيديولوجية والديكتاتورية من جهة والأصولية الإسلامية من جهة أخرى. من هنا التحالف المضحك بين الإسلاميين، والحزب الوطني الديمقراطي ومجلسٍ يحرص على إزالة الشك والريبة في أفضل الأحوال، وفي أسوئها يعمل بشكل منهجي على إعادة إنشاء الوضع السياسي الراهن بأسرع وقتٍ ممكن – مجلس لعب دور البديل لنظام رفضه العديد بشدة. وقد أجري الاستفتاء بتاريخ ١٩ مارس؛ وأتذكر بكائي الهادئ في غرفتي المطلة على ”شاتو دو لانابول“ على شواطئ كوت دازور بعد أن علمت بأن الأغلبية الساحقة قد صوتت للموافقة على التعديلات الدستورية.

وفي الفترة ما بعد مبارك (أي من ١١ فبراير-١٩ مارس)، كثُر الكلام عن الثورة المضادة. إنما هذا الكلام لم يعد متداولاً كثيراً الآن، غير أنه ولفترة ما، شكّل تعريفاً للثورة ولانتصارها الشاق (ما يزيد عن ٨٠٠ قتيلٍ وحوالي ٦٥٠٠ جريحٍ): القتال الطويل الأمد ضد الجهود السرية لإضعاف انجازات المتظاهرين أو عكس النتائج التي حققوها.

ومما لا شك فيه من أن هذا الأمر قد بدأ منذ اندلاع الثورة، ومما لا شك فيه أيضاً هو الوجود التلقائي للعملاء في جهاز الأمن، والمناصب العليا في قطاع الأعمال، وفي الحكومة والحزب الوطني الديمقراطي. وقد قيل أن الجيش الذي كان بقيادة المجلس ورئيس الجمهورية (لحين تسليمه السلطة للمجلس)، كان حيادياً: مراقب نزيه وحارس السلام، تسلم في نهاية المطاف زمام أمور السلطة باسم الثورة والثوار وبسبب خداعهم لأنفسهم.

ومع ذلك اندلعت هذه الثورة المضادة التي كثر الكلام عنها وكان لاندلاعها تبعات رجعية واسعة الانتشار – وكان جزء منها – رغم جنون هذا الأمر- نابع من الثورة نفسها. فالإسلاميون (إنما بدرجة أقل) إلى جانب الاشتراكيين – القوميين، الذين كانوا يستجيبون تلقائياً للوضع الراهن الذي لا طالما كانوا فيه مهمشين ومقموعين، أيدوا القيم الاستبدادية والطائفية والسلطوية، التي تم الاحتجاج ضدها بالمقام الأول وذلك بتحريض الشباب الليبراليين الذين يتوقون إلى حقوق الإنسان والديمقراطية.

بعد اختفاء الشرطة بتاريخ ٢٨ يناير، حين احتل المتظاهرون ميدان التحرير، وبصرف النظر عن وحشية هذا النظام القديم والمنحط الذي تم أخذه على حين غرة، كان القليل يوحد الثورة باستثناء طبعاً الهدف المشترك بإسقاط الرئيس – الأمر الذي شكل تحدياً أكبر بغياب القيادة – وفور تنحي الرئيس، مسلماً سلطاته للجيش كانت غالبية المتظاهرين على استعداد لترك الجيش يتولى السلطة. إن التغيرات السطحية التي وقعت بعد ١١ فبراير، جاءت نتيجة استجابة المجلس لمظاهرات يوم الجمعة التي لم تتوقف منذ ذلك الحين والتي كانت شبيهة بتلك المظاهرات التي شكلت ”الثورة“.

ولم أسائل نفسي لوقت طويل عما كانت تريده الثورة، هل كان إسقاط النظام كما دلّ شعارها؟ كما وتناسيت عن قصد العديد من الأفكار التي راودتني (والتي كتبتها) قبل ٢٥ يناير: إن جريمة النظام الأبشع هي الطريقة التي أفسد فيها نفسه والمجتمع معاً جاعلاً من المجتمع ليس ساحة لفساده وحسب، انما صورة طبق الأصل عنه تعكس بنيته السلطوية القائمة على المحسوبية المتجذرة، والجشع، والجهل، والتحيز، والفوضى، والإفلات من العقوبة، كل هذا الفساد الذي يعاد مرة تلو الأخرى من أعلى الهرم إلى أسفله.

ويعود السبب في أنني نسيت أن أسأل نفسي عن الهدف الكامن وراء اندلاع الثورة، وعن السبب الذي جعلها تبدو لي كالجنة، كان واقع أن كافة تلك الهياكل كانت عاطلة عن العمل؛ كانت معلقة، وقد جعلتها الثورة تبدو وكأنها قد تختفي بين عشية وضحاها (تماماً مثل الرئيس، ونائبه، ورئيس الوزراء الجديد الذي تم تعيينه).

وعند عودتي من فرنسا، عانيت من خيبة أمل مؤلمة إلى أقصى حدود بسبب هذا الواقع: ماذا كان يمثل هذا النظام، ماذا كانت تحارب الثورة – بغض النظر عن الثورة الوهمية المضادة للخطابات الثورية المتزايدة، أو الثورة المضادة المتزايدة والجريئة للمجلس العسكري الأعلى، والإسلاميين (الذين لعبوا دوراً لا غنى عنه في الثورة نفسها)، ومختلف الدوائر السلطوية المصرية ككل – كل ذلك كان لا يزال موجوداً، في الشوارع، وأماكن العمل، والمكاتب الحكوميةـ، وفي الطريقة التي يقود بها الناس، وما يقولونه عن الأحداث الجارية.

إن الرشوة، والغباء، ونظريات المؤامرة كانت في أوجها أكثر من أي وقتٍ مضى – ومع وقوع الاشتباكات الطائفية في الوقت الذي كنت أكتب فيه، فمن الواضح جداً أن الأمور لم تتغير على الإطلاق. فقد تحطمت الجنة – وتناثر الزجاج في كل مكان!

وتبدو لي الثورة المضادة اليوم، بطريقة غريبة، أنها كانت متضمنة في الثورة نفسها. وكلما ما فكرت بهذا الموضوع كلما أصبح أكثر تحييراً. ولكن ربما قد تكون هذه الثورة بكل بساطة، عبارة عن انهيار داخل النظام بدلاً من أن تكون عبارة عن قوة خارجية أطاحت بالنظام وكل ما يمثله، مما يشكل ذروة الخلل الضرورية التي تسمح للمجتمع لأن يتعدل – أو يتصصح. وسيتسنى وقت لذلك، ولكني لست متفائلاً، بل أنا وبكل بساطة ممتن لأنني عشت لأرى الجنة.

ترجمة: سحر جورج غصوب

Published with the courtesy of Babelmed, partner of Mashallah News.

(Visited 57 times, 1 visits today)

Leave a Reply