EN AR

مراسلات في وقت الانقطاع

Society This article is part of the series الهجرة الذاتية

 

Illustrations by Aude Nasr

في ربيع 2020، مع انتشار فيروس كورونا في العالم ومع دخول لبنان في فترة الإغلاق الأولى، بدأت كلّ من جيني غوستافسون وهي المحرّرة وإحدى مؤسسي موقع Mashallah News وصديقتها مهندسة المناظر الطبيعية والتخطيط المدني سارة ليلي ياسين، تبادل المراسلات حول نزهات بعد الظهر في شوارع المدينة الخالية ومتاجرها المغلقة، في وقت أصبحت فيه مظاهرات ثورة 17 تشرين متقطّعة.

 

سارة ليلي – 25 نيسان، الساعة 12:35 ظهرًا

خلال الأشهر الماضية، نزلنا أنا وجيني إلى الشارع كثيرًا. لكن هذه المّرة لم ننزل لنتظاهر، بل خرجنا وتنزهنا في المدينة وتنقلنا من مكانٍ إلى آخر مشيًا على الأقدام. وفي طريقنا جمعنا النباتات من الفواصل المزروعة بين الطرقات. أنا وجيني جيران في الشارع نفسه. هو الشارع الذي يمرّ بجانب البحر ويصبح شارع فينيسيا الذي يصعد ويلتف نحو شارع حوراني. عندما نريد أن نلتقي، تنزل هي أو أصعد أنا إلى التلة. هذه التلة هي راس بيروت؛ أو تلة المصيطبة، كما يسمونها الجغرافيون الحضريون.

يوم الجمعة العظيمة في عيد الفصح، تمشينا إلى شارع مكحول في الحمرا. في ذلك اليوم، كان قد فُرض حظر تجوّل عند الساعة السادسة مساء. وجدنا أريكة مرمية تحت شجرة كاوتشوك (اسمها العلمي Hevea brasiliensis)، تلك الشجرة المغناطيسية التي تميّز شارع الحمرا، وجلسنا عليها. كانت قد تجمّعت خمس أو ستّ سيدات على بوابة الكنيسة أمامنا وبدأن بالصلاة من بعيد.

“أدرك الآن لما نحن أصدقاء، فهي تحب التسجيل أيضًا”

تركت جيني الأزهار التي جمعناها على الأريكة وتوجنا إلى بوابة الكنيسة، ثم وضعت هاتفها جانبًا لتسجّل ترانيم الفصح، فقلت لنفسي : “أدرك الآن لما نحن أصدقاء، فهي تحب التسجيل أيضًا”.

إلى يمين الكنيسة، كانت آلية عسكرية مركونة إلى جانب طريق مختصر يوصلك إلى شارع سوراتي وكان جنود يقفون بجانبها. لم يكترث أحد لوجودهم، كأنهم لم يكونوا هناك.

بالنسبة لي، منذ 17 تشرين (وحتى قبل ذلك)، كلما أرى عسكريين مسحلّين أشعر بعدم الارتياح.

على التقاطع، كانت نافذة الحانة شبه مفتوحة يقف أمامها بعض الأشخاص يشربون البيرة. كانت امرأة تركض في موقف للسيارات، بينما تشاركت الحيوانات (القطط والطيور) الأماكن المسطّحة والمقاعد النادرة في الشارع.

قلت لجيني: “إنّ مواقف السيارات هي ما تبقّى من حدائق قديمة. في كثير من الأحيان، تُفاجئين بشجرة قديمة وسط موقف للسيارات. يقوم المطوّرون العقاريّون بشراء عدد من العقارات ثمّ يضمّونها لزيادة نسبة المساحات التي يُسمح البناء عليها، ويدمرون المباني القديمة والحدائق معًا. لكنهم يتركون الشجرات الكبيرة للاستفادة من ظلّها ويصبح لها حضور مهيب مع الوقت”.

على الرغم من التباعد الاجتماعي المستجدّ، أشعر أنّ شارعنا بات أكثر أُنسًا. فالناس أصبحوايلتقون في الشارع، وهو أفضل الأماكن العامة على الإطلاق. هذا المكان العام الذي تشاركه في تلك اللحظة عناصر الجيش ومصلّون وشباب في الحانات، وعشاق يتمشون، بالإضافة إلينا نحن والنباتات والقطط.

منذ 17 تشرين (وحتى قبل ذلك)، كلما أرى عسكريين مسحلّين أشعر بعدم الارتياح.

مرّت سيارة بجانبنا ببطء. ثمّ خفّف السائق سرعته ليستمع للهتافات مبتسمًا.

عند وصولنا إلى الكنيسة كنّا قد جمعنا على الطريق باقة من النباتات: خصلة من Plumeria acuminata – زهرة الفتنة الصفراء والبيضاء، زهرتي المفضلة – وبعض النباتات العصارية، قطفناها جميعًا من فواصل الطرقات لزرعها على شرفاتنا.

قبل سنتين، حضر شخص عزيز على قلبي إلى حفلة عيد الميلاد قمت بتنظيمها، وكان حاملًا معه باقة من الأزهار: عصفور الجنة وحلفة حمراء وبيضاء (Pennisetum setaceum) وداليا بيضاء وغيرها من النباتات البرية التي لا نجدها عادة عند بائعي الأزهار. عندما سألته عن أين أتى بأنواع الزهور هذه، أجابني: “لقد جمعتها من الشارع”.

جيني – 29 أيار، الساعة 6:18 مساءً

مرّت سنوات عديدة، أظنّ خمس أو ستّ سنوات منذ أن أهديتني الكتاب. كان ذلك في فصل الصيف، أتذكّر لأنّي أخذته معي إلى الشاطئ (ولأنّ عيد ميلادي في أواخر الصيف). أطرافه الآن ممزقة قليلًا، وغلافه عتيق من كثر ما تركته في الشمس وما حملته معي في الحقيبة مع ملابس لم تكن جفّت تمامًا. أحب الكتب عندما تصبح هكذا. أحيانًا أقف أمام مكتبتي وأختار كتاب بشكل عشوائي لأتصفحّه وأبحث في داخله عن أي شيء، فاتورة قديمة أو تذكرة من رحلة ما أو بطاقة من شخص التقيت به.

لقد أخبرتني الكثير عن الكتاب كثيرًا قبل إعطائي إياه يا سارة. وكانت صديقتنا غارينيه قد أخبرتني عنه أيضًا، أعتقد أنك قمت بإهدائها إياه أيضًا.

لقد أخبرتني قصصًا عدّة من الكتاب خلال نُزهاتنا في بيروت ونحن نمشي في الأحياء المحيطة بمحلّ سكننا. نزهاتنا في عين المريسة. أحب اسم هذه المنطقة الممتدة على طول الشاطئ بسبب حرفي الميم والراء في أوّلها، وأحب وقع هذين الحرفين اللّذين لا يتوافقان مع بعضهما. نُزهاتنا في أحياء كليمانصو والقنطاري التي تسكنها مبانٍ بواجهاتها الشاحبة وطرقها الهادئة التي تؤدي جميعها إلى راس بيروت. زقاق البلاط والظريف، حيث تختبئ قصور كبيرة خلف أشجار شاهقة. الحمرا كالطفل غير الجذّاب الذي شهد الكثير في الماضي والحاضر. وكاراكاس المطلّة بشكل أو بآخر على السماء المفتوحة.

قد يكون عرقًا وقع من منقوشة أحدهم في الحوض ونمت جذوره فيه.

في بعض الأحيان، كنّا ننزل إلى آخر شارع بليس حيث تقبع المدرسة الألمانية خلف قضبان البوّابة الحديدية إلى جانب المنارة السوداء والبيضاء المجاورة للأبنية الشاهقة. ينتهي هذا الطريق في آخر الكورنيش. وعلى طول الطريق، سترين بعض السيارات المتوقفة إلى جانبه، شبابيكها مفتوحة قليلًا. هنا يلتقي العشاق سرّا بعد الظهر خلال عطلة نهاية الأسبوع (كما يتوقف، بالمناسبة، سائقو سيارات الأجرة لقضاء حاجتهم مقابل الحائط).

هل رأيتي صورة سعد الحريري التي عُلّقت فوق مدخل الـ “لونا بارك” في الجانب الآخر من الكورنيش؟ هل رأيتي كيف تبدو تمامًا كوجه المهرج العملاق الذي ندخل من فمه في مهرجانات التيفولي القديمة؟

في إحدى الأمسيات خلال فترة الحجر الأولى، أظنّ بعد مرور شهر واحد، كنا نتمشى معا في شارع بليس. مررنا بسناك فيصل الذي كان مقفلًا بالطبع. من الغريب رؤية واجهات هذه المحلات التي لا تغلق أبداً، مثل بربر وأنكل ديك على الكورنيش، مغلقة عند الساعة الخامسة مساءً. على الرصيف أمام سناك فيصل، هناك حوض كبير كان بيتًا لشجرة برتقال صغيرة مزروعة فيه. نظرنا في داخله ووجدنا أنّ النعناع قد استولى على المساحة. قد يكون عرقًا وقع من منقوشة أحدهم في الحوض ونمت جذوره فيه.

في ذلك المساء، أعتقد أنّنا وصلنا إلى الكنيسة الصغيرة بالقرب من شارع جان دارك. لم نمرّ بأديب ومكتبته The Little Bookshop على طريقنا. في كلّ الأحوال أعتقد أنّ أبواب المكتبة الصفراء كانت مغلقة أيضًا. غريب… لأنّ أديب جزء أبديّ من ليالي الحمرا. كنت أسكن في المبنى نفسه قبل بضع سنوات، وغالبًا ما كنت أنزل إلى المكتبة في المساء للتحدث معه ومع زوّاره.

بعد أسابيع قليلة مررنا مجددًا بشارع المكتبة لكنها كانت ما تزال مغلقة. كان أديب قد علّق أوراق عليها قصائد صغيرة على الشجرة في الخارج (عادة ما يعلقها في المكتبة ويبدلها بين الحين والآخر). أخذنا قصيدة “يدا حافظ الجميلتان” التي تتكلّم عن أثمن الأمور، الصداقة. كنت تحملين في يديك الأغصان والنباتات فوضعت القصيدة في حقيبتي.

أدركت فورًا أنّ الكتاب لي من عنوانه: المدينة السعيدة.

لقد اشتريتِ الكتاب من أديب. أظنّ أنك شجّعتيه على قراءته أيضًا (رأيت الكتاب في إحدى المرّات فوق كومة كتب على مكتبه، هي الكتب التي لم ينته من قرائتها بعد). أدركت فورًا أنّ الكتاب لي من عنوانه: المدينة السعيدة.

أنا من الأشخاص الذين يشعرون بالسعادة في المدن.

فأنا حفيدة مزارعين من قرية هادئة محاطة بالحقول والغابات الشمالية. كان جدّي يحب بقراته وجدّتي تحب حديقتها وكانت أمّي في طفولتها تمضي فصل الصيف في حقول البطاطا (إلى أن شعرت بالملل سريعًا وتهرّبت من واجباتها العائلية).

أشعر بالسعادة عندما أكون محاطة بالأصوات والحركة والغرباء. يا لغرابة هذه الكلمة بالمناسبة. لأن ليس هناك أي شيء غريب فيهم. الكلمة تعني الأمر نفسه بالانكليزية أيضًا. لكن ليس باللغة السويدية. تعني كلمة främling الشخص الذي لا نعرفه وليس الشخص الغريب.

أعرف أنّ الكثيرين كانوا سعيدين بإمضاء فترة الحجر في قراهم حيث الطبيعة أمام عتبة البيت. كم ذلك جميل. لكنّي كنت سعيدة جدّا برفقة بيروت.

وهكذا، خلال جولاتنا، بدأت بالتفكير في ذلك الكتاب وفي السعادة في المدينة.

سارة ليلي – 2 أيار، الساعة 01:18 فجرًا

غادرت المنزل أخيرًا في ذلك اليوم في حوالي الساعة الثانية والربع من بعض الظهر.

كنت أعرف أن مسيرة الثوار قادمة من بشارة الخوري، فقررت صعود التلّة. رسمت الخريطة في ذهني: صعودًا إلى القنطاري ثمّ نزولًا على الدرج إلى تلّة البرلمان، بعدها أعبر جسر الرينغ وأمرّ في زاروب الحرامية في الخندق الغميق لأصل إلى المظاهرة عند أشجار تين المجوس الضخمة بالقرب من فلافل صهيون في ساحة الدباس سابقًا.

كنت قد وصلت للتوّ إلى القنطاري عندما سمعت المظاهرات من جانب البحر. تعرّفت على بعض أصوات المتظاهرين. هي أصوات الناس التي أسجّلها منذ ستة أشهر. الشاب الذي يفقد البحّة في صوته في كلّ مرّة. كنت أراه كلّ يوم على مدى أشهر مرتديًا قميص شي غيفارا الأسود أو الأحمر. أعتقد أنّه يدعى عباس.

كنت أراه كلّ يوم على مدى أشهر مرتديًا قميص شي غيفارا الأسود أو الأحمر.

فاقتنا شرطة مكافحة الشغب عددًا. حاولت البقاء على مسافة منهم لأني أخاف من التقاط الفيروس. وصلت مجموعة ثانية من جسر الرينغ، والتقينا على مفترق القنطاري وشارع ميشال شيحا الذي يصل إلى شارع المصرف المركزي ومن بعده إلى الحمرا.

كنا نردد الهتاف المفضل لديّ : “ثوّار، أحرار، حنكمّل المشوار”. بدأت السيارات تزمّر دعمًا لنا فبدأنا نردد: “زمّر زمّر زمّر، إذا مع الثورة زمّر”.

تعرّفت على المزيد من الوجوه والملامح والملابس على الرغم من الشفاه والأنوف المكمّمة. أردت أن ألقي التحية عليهم. سرت مع المجموعة باتجاه البنك المركزي ثمّ بدأت بروتيني المعتاد: مراقبة المظاهرة، محاولة التعرّف على الموجودين، استشعار مستوى الغضب في الجوّ، الاستماع إلى الهتافات الأكثر ترديدًا. تساءلت من أين يأتي هؤلاء. هل أتوا سيرًا على الأقدام مثلي؟

مراقبة المظاهرة، محاولة التعرّف على الموجودين، استشعار مستوى الغضب في الجوّ

على الهامش، تفقدت النباتات المزروعة أمام وزارة السياحة. رباطية مسننة حمراء وبعض النباتات العصارية، جميعها مهملة وستموت. هل أقوم بجمعها أيضًا؟

شبه مهجور من ثلاثينيات القرن الماضي ووقفوا على حافة شرفته المطلة على الشارع لالتقاط الصور. أردت أن أقول لهم أنها المرة الأولى التي أرى فيها ناسًا على هذه الشرفة… لكني لم أفعل ذلك.

قررنا الانتقال إلى ساحة الشهداء. توقفنا في الطريق على دكانة لشراء مشروب. رأيت في البرّاد زجاجات بيرة صغيرة جدًّا، فاشتريت واحدة وقررت أن أحتسيها على الطريق إلى ساحة الشهداء. قلت لنفسي أنني أشرب في العلن لأطالب بشارع علماني، أشرب في العلن للتأكيد على هويتي الملحدة.

بعد وقت قصير وجدنا أنفسنا نسير مع مجموعة من الشبّان كانوا معنا أمام المصرف المركزي. أوقفنا أحد الجنود قائلًا أنه لا يمكننا المرور لكنّي تجاهلته وصرخت: “لا تتوقفوا! هذا شارعنا وهو ملك عام، ولا يمكنه ردعنا. ثورة”. شعرت وكأني أملك المدينة.

أذكر كيف كنت أتسكع في شوارع بيروت في التسعينات أيام المراهقة. كنت أحبّ التجوّل في شارع الحمرا وزيارة الأصدقاء في الخندق الغميق والحكمة، والاستلقاء على الأرض قبالة فندق السان جورج خلال حفلة صاخبة ومشاهدة السماء، لأنه لم يكن مسموحًا لنا بالدخول في ذلك الوقت. كنت بشعري التي كانت تتخلله خصل زرقاء، وأحمر الشفاه بلون الأزرق والماسكارا الزرقاء والحلقة بأنفي، أتمشى برفقة أصدقائي حفاة الأقدام بعد منتصف الليل.

كنا نشعر أننا نمتلك المدينة، وشعرت أني أملكها مجددًا في تلك اللحظة.

أذكر كيف كنت أتسكع في شوارع بيروت في التسعينات أيام المراهقة.

كتب كثر عن استعادة الفضاء العام خلال الثورة. لكن ما ألاحظه الآن هو أكثر راديكالية: الاحتلال والملكية. المساواة في استخدام الشارع تعبيرًا عن السعادة وعن الغضب أثناء الثورة. المساواة في التنفّس أثناء الإغلاق العام.

عدنا أدراجنا عابرين مقبرة السنطية. كانت البوابة مفتوحة فتسلّلنا إليها. كنت قد أتيت إلى المكان مرّتين تفصلهما خمس سنوات مع حبيبين، لكن لم يسبق لي أن دخلت إلى المقابر. قلت لجيني أنّ والد جدّي مدفون في المقبرة الأصلية التي انجرفت مع الرؤية الاقتصادية والسياسية السيئة التي سيطرت على المدينة في فترة ما بعد الحرب في بيروت. في ذلك الوقت، تم ردم البحر وإعادة هندسة الواجهة البحرية للسماح لشركة سوليدير، المسؤولة عن إعادة إعمار الوسط التاريخي لبيروت، بالقيام بأعمالها العقارية.

لم يكن هناك أحد، لذا استلقينا على الأرض إلى جانب عشرات القبور الغرانيتية المجهولة، وأكملنا الحديث عن أيام المراهقة والسياسة والأدوار العائلية والحب. بدأنا بجمع الأزهار والأعشاب في المقبرة وقررنا العودة إلى المقبرة وتضميم إنشاءات فنيّة. لكني أترك هذه القصة لوقتٍ آخرٍ.

جيني – 1 حزيران، الساعة 00:20 فجرًا

في بعد ظهر أحد الأيام، في أوّل يوم أحد من الإغلاق العام عندما مُنعت السيارات من السير على الطرقات، رأيت والدًا مع ابنته التي كانت ترتدي فستان أميرة. كانا يركبان الدراجة في منتصف جسر الرينغ.

كما رأيت فتاةً تمشي على حافة جدار مغطى بالغرافيتي في ساحة الشهداء ممسكة بوالدتها بيد واحدة.

رأيت والدًا مع ابنته التي كانت ترتدي فستان أميرة. كانا يركبان الدراجة في منتصف جسر الرينغ

كان هناك الكثير من الأشخاص في المدينة يركبون دراجاتهم الهوائية هذه الأيام، يتجوّلون في مواقف السيارات الفارغة ويقودونها في وسط الشوارع الصامتة وفي أي مكان مخصص عادة للسيارات.

كان هناك أيضًا مراهقين يتمشون مع أهاليهم في الخارج!

يتحدث أحد الفصول، في كتاب “المدينة السعيدة”، عن سيطرة السيارات على بيئة المشهد الحضري، وعن كيف أصبحت الطرقات مجالًا مخصصا للسيّارات حصرًا، دون ترك أي مجال للمركبات الأخرى أو للمشاة. يتحدّث عن كيف بدأت المدن في استيعاب هذه السيارات: توسعة مواقف السيارات، إعطاء الأولوية للطريق السريع وربط المناطق بواسطة الطرقات بدلا من المسارات. كيف حدث كلّ ذلك؟ وبهذه السرعة؟

نعم، كما قلت، بدأ التحوّل في وسط المدينة وساحة الشهداء خلال الثورة. اختفت حينها السيارات وظهر المشاة من جديد. بعد أن تم] إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى الوسط أمام لسيارات، بدأ الناس بالمشي. يمرّ أحد الطرق في حيّنا الذي أصبح فجأة مزدحمًا بالناس والأعلام والعائلات، يسيرون جميعًا إلى المظاهرات أو يعودون منها.

كيف حدث كلّ ذلك؟ وبهذه السرعة؟

هناك كنيسة عند التقاطع بين ذلك الطريق والطريق المؤدي إلى الكورنيش. لها ساحة صغيرة أمامها، سرعان ما تحوّلت إلى ملعب للمتزحلقين.

في أحد الأيام، بينما كنا أنا وأنت نتمشى في الخارج، كان بعضهم هناك. ذكّرنا ذلك بالغرام أيام المراهقة وبالصداقات الجميلة. كنا نخرج من دون خطّة أو هدف معيّن، دون هاتف ولا حتى إنترنت بالطّبع. كنا نخرج بكل بساطة لتمضية أوقات وأمسيات لا تنتهي. بدأ الأمر وكأنّ الوقت تمدّد إلى المستقبل وأصبح أسرع.

لكن بالطبع، ليس الوقت الذي أصبح أسرع، إنّما الحياة.

 

 

Inner migration was produced as part of the Switch Perspective 2020-2021 project, supported by GIZ. All illustrations by Aude Nasr. Story translated by Sahar Ghoussoub.

(Visited 109 times, 1 visits today)